خليل الصفدي

309

أعيان العصر وأعوان النصر

الأفرم ، وأوهمه شيئا من ذلك ، فولاه مشيخة الربوة ، والظاهر أنه كان يعلم منها ما يخدع به العقول ، ويتلعّب بالألباب الأغمار ، ولما جاء إلى صفد ، ورأيته بها كان شيخ قرية علمين الفقراء ، وهي قرية عند قرية مغران بالقرب من الشريعة عند جسر يعقوب ، وقف السلطان صلاح الدين يوسف - تغمّده اللّه تعالى برحمته - . قال شيخنا علم الدين البرزالي : ومولده بزاوية جده الشيخ أبي طالب بقصر حجاج بدمشق ، قال الشيخ علم الدين البرزالي : وأعرف جده أبا طالب ، وكان صالحا ، يصلّي الجمعة دائما تحت النسر . انتهى . قلت أنا : وهو شيخ النجم الحطيني ، المعروف بنجيم الذي سمره السلطان الملك الناصر بالقاهرة ، وجهزه إلى دمشق مسمرا على جمل ، وسيأتي ذكره - إن شاء اللّه تعالى - في حرف النون مكانه ، وكان هذا النجم يخدمه ، وهو شيخ الخانقاه بحطين من بلاد صفد ، وورد عليهم إنسان في تلك المدة أضافوه على العادة ، وكان هذا النجم رأى مع الضيف ذهبا ، فاتبعه لما سرى من الخانقاه ، وقتله في الطريق ، وأخذ ذهبه ، وبلغت القضية نائب صفد الأمير سيف الدين كراي ، فأحضر الشيخ شمس الدين ، وضربه ألف مقرعة على ما قيل ، وعوقب زمانا ثم أفرج عنه ، ثم إن هذا النجيم كان بعد ذلك يؤذي الشيخ . حكى لنا الشيخ شمس الدين قال : كنت أخافه على نفسي ، فأنام في الربوة ، وأغلق باب المكان - وهو محدود - ، وأستوثق من الأقفال وغيرها ، وأكون نائما آمنا ، وما أشعر به إلا وقد أيقظني ، فأفتح فأرى السكين في يده مجردة ، ويقول : يا أفخاذ الغنمة ، ما تريد أن أفعل بك ؟ قال : فأدخل بكل طريق من ضروب الخداع والتلطّف ، أنه أي فائدة في قتلي ، وفرضنا أني قتلت ، فهل في هذا فائدة تحصل ! ، ولا أزل أخدعه حتى يمضي ويتركني . وأنشدني لنفسه ، ومن خطه نقلت : ( البسيط ) اللّه أكبر يا اللّه من قدر * حارت عقول أولي الألباب في صدره نجم به كسفت شمس ، وذا عجب * أن يكسف الشّمس جرم النّجم مع صغره ولم يزل الشيخ شمس الدين مروّعا من هذا النجم إلى أن سمر ، وكان ما يسميه بعد ذلك إلا الهالك ، ويكنّي عن نفسه بالشخص ، فيقول : جرى للشخص مع الهالك كيت وكيت ، وما كانت حكاياته عنه تمل ؛ لأنه يؤديها بعبارة فصحى ، وينمّقها ويزمّكها . وجمع هذا الشيخ كتابا في علم الفراسة سمّاه « كتاب السياسة في علم الفراسة » كتبته بخطي من خطه ، وتناولته منه بصفد ، ولم أر في كتب الفراسة مثله ، وقد نقله مني جماعة أفاضل بمصر والشام ، منهم الشيخ شمس الدين الأكفاني ؛ لأنه جمع فيه كلام الشافعي رضي اللّه عنه ،